التحكيم الدولي / بقلم المستشار محمد الغافلي

التحكيـم

                                                                                                                                                            
أهمية التحكيم

في غضون الربع الأخير من القرن العشرين ؛ اكتسب التحكيم قبولاً عالمياً كوسيلة مثلى لفض النزاعات ، وتم تشريع القوانين التي تنظم التحكيم في أغلب دول العالم ، وتم إبرام العديد من الاتفاقيات الدولية التي تنظم التحكيم وأهمها اتفاقية نيويورك لعام 1958 ، كما تم مؤخراً إدراج التحكيم ضمن المواد التي تدرس في عدد من كليات الحقوق على مستوى العالم . وفي ظل تحديات العولمة والنمو المطرد للعلاقات التجارية الدولية ازدادت أهمية التحكيم باعتبار تميزه عن القضاء من نواح عدة أهمها سرعة الإجراءات ومرونتها وسريتها وانخفاض التكلفة ووضع استمرار العلاقات بين الأطراف .ولقد صار من المسلم به أن التحكيم هو أفضل وسيلة لفض النزاعات ، فإذا ما احتدم الخلاف في المعاملات المدنية والتجارية فإن الحل الأمثل هو اللجوء إلى الوسيلة الأسرع والأقل تكلفة لفض النزاع . وقد أثبتت التجربة العملية أن اللجوء إلى القضاء بما يترتب عليه من بطء في الإجراءات وتكدس القضايا وعدم الفصل فيها لسنوات في كثير من الأحوال . الأمر الذي يترتب عليه بالضرورة تفاقم حدة الخلاف بين الطرفين ، وخسائر مالية باهظة للرابح والخاسر ؛ الأمر الذي أصبح بالامكان تفاديه بكل سهولة ويسر عن طريق اللجوء إلى التحكيم.فالتحكيم باعتبار ما يتميز به من سرعة وسهولة وانخفاض التكاليف قد أصبح الوسيلة المثلى التي فرضها العصر لمواكبة طبيعة سرعة النشاط التجاري. الأمر الذي أصبح معه التحكيم الخيار الأمثل للدول وللشركات الكبرى لحل وتسوية نطاق واسع من الخلافات التجارية .

إن ما يميز التحكيم هو مرونته التي تسمح للمتنازعين بتشكيله على النحو المناسب لهم ويعطي الأطراف حرية في اختيار المحكمين الذين يتولوا عملية التحكيم بأنفسهم كما أن المحكم لديه قدر كبير من المرونة ومساحة معقولة من الحرية في الوصول للحكم العادل دون التقيد بنظام رسمي شكلي أو نظام قانوني يكبله.ومن ناحية أخرى تعد السرعة من المميزات المهمة في التحكيم ، فلا يخفى على أحد أن القضاء يعاني من عيب يلازمه دائما وهو من أشد العيوب التي يعاني منها وهي البطء الشديد في فصل النزاعات وحل القضايا والذي ينتج عن تراكم القضايا المعروضة على القاضي فأصبح من غير الميسور على القضاء أن يفصل في وقت قصير في الدعاوى المقدمة له إلا بعد مدة تصل غالبا إلى عدة سنوات مما يؤدي إلى بطء الفصل في النزاع عن طريق اللجوء إلى القضاء الذي لا يفصل فيه إلا إذا جاء دوره وبعد أن ينال من التأجيلات ما لا يتفق مع مصلحة الأطراف وحتى لو حقق القضاء العدالة فهي عدالة بطيئة قد لا يصل إليها صاحب الحق إلا بعد مدة طويلة ، والعدل البطيء هو نوع من الظلم لذلك فأن السرعة التي يتميز بها التحكيم تعتبر من أهم ايجابياته فقوانين التحكيم ولوائحه ومواثيقه عادة ما تحدد مدة يجب ألا يتجاوزها المحكم عند إصدار قراره.

مميزات التحكيم

  1.  سرعة الفصل في المنازعات والمرونة والاقتصاد بالنفقات.
  2. عدم التقيد بتطبيق قانون معين أو اجراءات معينة حيث انه من الإمكان الاتفاق على القانون الذي سيتم تطبيقه والتي سيتم على أساسة الفصل في النزاع وهذا يحل المشاكل في حال وجود أطراف من دول مختلفة أو جود دول ومنظمات أجنبية كأطراف في النزاع حيث يتم اختيار القانون الذي سيتم تطبيقه ولا يفرض قانون دولة معينة للفصل بالنزاع.
  3. صدور الحكم عن خبراء بمجالات متخصصة في موضوع النزاع بما ان التحكيم لا يشترط على المحكم ان يكون حائز على شهادة بالقانون كما هو الحال في القضاء وبعض الخلافات تتطلب خبراء بمجالات معينة للفصل بها.
  4. وجود فرص أكبر لحل الخلافات عن طريق الصلح حيث ان اعضاء هيئة التحكيم يتم اختيارها من قبل أطراف النزاع فأنهم في الغالب يحاولون تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع وصلا إلى حل توافقي يرضي الطرفين.
  5. تناول الخلاف بشكل يكفل السرية مما يحفظ للطرفين عدم إفشاء الأسرار التجارية التي ما أن تعلن إلا وقد يشكل ذلك خطرا على حقوقهم في الملكية الفكرية.
  6. تخفيف أعباء القضاء من حيث عدم العودة اليه في كل النزاعات التي قد تنشأ.
  7. يتيح التحكيم للأطراف حرية اختيار الأشخاص الذين سيقومون بالفصل في النزاع ، الأمر الذي سيؤدي الى الاطمئنان لأحكامهم.

وبشكل مجمل تكون مزايا التحكيم هي : السرعة والخبرة والمرونة والسرية والحفاظ على العلاقة والود وتلافي الحقد والبغضاء بين الخصوم ويحفظ العلاقة الطيبة بين الأقارب ويحل مشكلة التخوف من عدم الثقة في قضاء الدولة والقانون واجب التطبيق ويتيح الطمأنينة للشركات الكبيرة متعددة الجنسيات ويفسح المجال للرأي السديد والعلم الرشيد ويعطي الحرية في اختيار المذهب الفقهي ويتيح مخرجا ً لمسألة تنازع القوانين ويعطي الفرصة والحرية في اختيار مكان التحكيم.

 أهمية التحكيم

 أهمية التحكيم بصفة عامة ولا سيما فى المعاملات التجارية وخاصة الدولية منها (يعتبر أنسب الطرق لحل المنازعات ذات الطابع الدولي) ، تتمثل فى أن طبيعة هذه المعاملات تتسم بالبساطة والسهولة والتخلص من الشكليات وتستوجب السرعة والثقة واليسر فى الإجراءات بل والسرية أيضا لأن بعض السلع والخدمات التجارية تتكتم المنظمات التجارية على مكوناتها حتى لا تتجنب عمليات التقليد والتزييف لمنتجاتها وهذا من حقها حفاظا على ملكيتها لها ، وهو ما يستوجب محاولات الوساطة والتوفيق منذ البداية وصولا للحسم السريع لمثل هذه المنازعات فى المعاملات التجارية باعتبارها أمر هام وجوهرى للطرفين حفاظا على خصوصية التعامل والمودة التى تجمع الطرفين ومحاولة تقريب وجهات النظر بالتفاهم المتبادل ، ولأن عنصر الوقت يكون مؤثرا جدا بالنسبة للتكلفة المادية وحجم دوران رأس المال ومن ثم تفادى تفاقم الخلاف والخصومة بالصلح وتقليل حجم الخسارة المتوقعة أو زيادة الربح المأمول بالحسم السريع للخلاف فى بدايته

فمثلا : إذا نشب نزاع عن مصادرة خطاب ضمان عن عملية تجارية وكانت قيمة هذا الخطاب (100000)دولار  واستمر النزاع أمام القضاء قرابة ثلاث سنوات وفى النهاية قضى للمدعى بأحقيته فى رد خطاب الضمان ، فإن هذا الحكم لا يجبر الخسائر التى لحقت بالمدعى والتكاليف التى تكبدها بالفعل فضلا عن الجهد والوقت الذى استغرقه النزاع مما تسبب فى تجميد هذه الرصيد وسريان الفوائد البنكية عليه طيلة هذه المدة واهتزاز الثقة والأحجام عن مباشرة مشروع تجارى آخر طيلة هذه الأمد الطويل ، فضلا عن المخاطرة بأحقيته فى كسب الدعوى أو خسارتها والتوتر العصبى الذى يعاصر الأطراف طوال فترة التقاضى ودرجاتها وطعونها ، ومن جهة أخرى فأن قيمة خطاب الضمان بالريال السعودي تكون قد زادت عدة أمثال من وقت نشوب المنازعة وحتى صدور الحكم بعد عدة سنوات.

يعتبر التحكيم أحد الوسائل البديلة عن القضاء لتسوية المنازعات التجارية وشاع اللجوء له في العقود الدولية بشكل خاص بحيث يندر ان نجد عقد دوليا لا يتضمن شرط التحكيم لتسوية المنازعات الناشئة عن العقد. ونقصد بالتحكيم هنا التحكيم الاختياري الذي يتفق فيه أطراف عقد تجاري على تسوية المنازعات التي ستنشأ أو نشأت بينهم بالنسبة لذلك العقد باللجوء إلى التحكيم. ومثال ذلك أن تشتري الشركة الأردنية سين سلعة من الشركة الفرنسية صاد. وينص العقد على أن أي خلاف بين الطرفين ناشئ عن العقد أو يتعلق به يحال إلى التحكيم وفق أحكام القانون الأردني أو وفق قواعد غرفة التجارة الدولية في باريس ففي هذا المثال لو نشأ نزاع بين الفريقين فعلا فأنه يجب إحالته للتحكيم وفق إرادتهما وإذا لجأ أحدهما إلى القضاء فيجب على المحكمة المرفوع أمامها النزاع أن تحيلها للتحكيم إذا توفرت شروط ذلك حسب قانونها الوطني.

 

المستشار : محمد نورالدين الغافلي